أقر وزير القوات الجوية الأميركية، «تروي مينك»، الشهر الماضي، للمرة الأولى، بأن الولايات المتحدة تمتلك «أسلحة للسيطرة على الفضاء في المدار»، صُممت لحماية أقمارها الاصطناعية وحرمان الخصوم من استخدام أنظمتهم الفضائية.

وكان التصريح ضرورياً ومتأخراً، ولم يكن ينبغي أن يثير الدهشة. فالمنتقدون الذين وصفوا الإعلان بأنه يزعزع الاستقرار يسيئون فهم مقصده ودور القوات المسلحة الأميركية. وتتمثل مهمة الجيش الأميركي في الدفاع عن البلاد على الأرض وفي البحر والجو والفضاء والفضاء الإلكتروني. ويبدأ الدفاع بالردع، أي إقناع الخصوم بأن الولايات المتحدة تمتلك الإرادة والقدرة على إحباط أي هجوم وإلحاق عواقب مدمرة بمهاجميها.

وعندما يمتنع الخصوم عن استهداف الأصول الأميركية في الفضاء لأنهم يدركون أنهم لن ينتصروا، فإن ذلك يعزز الاستقرار. وكانت الأقمار الاصطناعية حيوية للأمن القومي منذ فجر عصر الفضاء، حين طورت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أنظمة فضائية عسكرية ومدنية بالتوازي. وخلال العقود التالية، ازدادت أهميتها للأمن والدفاع الأميركيين. فالبيانات التي توفرها تخدم القادة الوطنيين والقوات الميدانية، وصولاً إلى الجنود والبحارة والطيارين وأفراد القوة الفضائية ومشاة البحرية.

وتتجاوز فوائد الأنظمة الفضائية الاستخدامات العسكرية. ففي الولايات المتحدة والعالم، يعتمد الناس على خدمات الأقمار الاصطناعية التي تدعم السلامة العامة والاستجابة للطوارئ والنشاط الاقتصادي. ويزامن نظام تحديد المواقع العالمي أنظمة التوقيت التي تتيح الاتصالات العالمية والشبكات المالية، إلى جانب تطبيقات الخرائط والملاحة التي توفّر خدمات دقيقة في أنحاء العالم منذ أكثر من 25 عاماً.

ويستطيع مالكو الهواتف الذكية الوصول بتكلفة منخفضة إلى الصور الفضائية وتوقعات الطقس ومعلومات أخرى تأتي من الفضاء أو تمر عبره. وفي العام الماضي، قُدرت قيمة اقتصاد الفضاء العالمي بأكثر من 550 مليار دولار، وقد تبلغ 1.8 تريليون دولار بحلول 2035. ويخلق اتساع النشاط الفضائي اعتماداً متزايداً عليه، وهذا الاعتماد يولد مواطن ضعف. ففقدان الأنظمة الفضائية سيخلف أضراراً اقتصادية جسيمة، إذ قد يكلف تعطل نظام تحديد المواقع العالمي وحده مليار دولار يومياً، ويوقف المعاملات المالية، ويزعزع الأسواق وشبكات الكهرباء، ويقطع خدمات الهواتف المحمولة، ويعطّل جداول رحلات الطيران. وبذلك سيضطر الجيش الأميركي إلى العودة إلى أساليب الحرب في القرن العشرين: حملات واسعة النطاق، وغير دقيقة، ومفرطة في التدمير، تفتقر إلى معلومات كافية عن مواقع العدو ونقاط ضعفه وخططه الهجومية. وينبغي لمن ينددون بنشر الولايات المتحدة أنظمة للسيطرة على الفضاء ويصفونه بأنه «تسليح الفضاء» أن يواجهوا الواقع: خصوم أميركا يسلحون الفضاء منذ عقود. ففي يناير 2007، اختبرت الصين صاروخاً مضاداً للأقمار الاصطناعية يُطلق من الأرض، دمر قمراً للأرصاد الجوية انتهت مهمته وخلف أكثر من 3000 قطعة من الحطام المداري. ونشطت دول أخرى أيضاً، بدأت روسيا اختبار أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية عام 1963، وكان أحدث اختبار لها في 2021. وتشير تقديرات الاستخبارات الأميركية إلى أن هذه الدول وغيرها ربما تختبر أسلحة للسيطرة على الفضاء في المدار وتنشرها.

وفي الوقت الذي تطور فيه هذه الدول قدراتها الفضائية، تقول إن نشر هذه الأسلحة يقوض معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967. لكن المعاهدة تحظر وضع أسلحة الدمار الشامل في المدار، ولا تتناول أسلحة أخرى، مثل تلك المصممة لمهاجمة الأقمار الاصطناعية بوسائل إلكترونية أو غير نووية. ومن المهم مناقشة تداعيات الحرب في الفضاء، بما يشمل التقارير المقلقة عن تطوير روسيا سلاحاً نووياً مضاداً للأقمار الاصطناعية، لكن الادعاء بأن الولايات المتحدة تنتهك هذه المعاهدة من خلال أسلحتها الفضائية الحالية ادعاء باطل.

إذا فشل الردع ووقع هجوم، يجب أن تكون القوات الأميركية مستعدة للقتال والانتصار. ولا يقبل الشعب الأميركي الهزيمة بسبب الإخفاق في الاستعداد لتهديد معروف. فأسلحة الخصوم الفضائية تعرض العسكريين الأميركيين وأمن الولايات المتحدة للخطر.

ويجب أن يعرف الخصوم، وكذلك أمهات وآباء أفراد القوات المسلحة الأميركية، أن القوة الفضائية مستعدة لمواجهة هذا التهديد، مثلما تتعامل الأفرع العسكرية الأخرى مع التهديدات التي تواجهها.ومن أبرز نقاط قوة أميركا وقواتها المسلحة القدرة على فهم عالم خطير ومتغير والعمل فيه بثقة. ويطمئن إقرار «مينك» العلني المواطنين الأميركيين وحلفاءهم إلى أن الولايات المتحدة لم تتجاهل التهديد المتنامي للأسلحة في الفضاء. كما يوجه رسالة واضحة إلى أي خصم بأن البلاد مستعدة للرد على هجوم في هذا المجال. اليوم ليس الوقت المناسب لاختبار قوة أميركا وعزيمتها.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»

*نائب سابق لرئيس العمليات الفضائية في قوة الفضاء الأميركية.